• قال تعالى "مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ" سورة المدثر

نظرية التعلم الجشطالتية

ظهرت المدرسة الجشطلتية على يد كل من فرتايمر Wertheimer و كوفكا Kofka و كوهلر Kohler الـمنتمين جميعهم إلى ما يسمى بمدرسة برلين، و تعتبر من المدارس التي اهتمت بدراسة علم النفس، و يعود الفضل لها في الاهتمام بدراسة قوانين الإدراك، و توصلت إلى قانونه الأساسي و هو أن "الكل أكبر من مجموع أجزائه " فأنت حين تقرأ كلمتي (باب)،(أب) و هما مؤلفتان من نفس الحروف فإنك لا تدركهما كحروف منفصلة و إنما كوحدات كلية.
ظهرت هذه النظرية كرد فعل و رفض للمفاهيم و النظريات السلوكية.. و بخاصة مفهوم العناصر و تحليل السلوك إلى عناصره أو أجزائه الأولى المكونة له. فنادت بضرورة دراسة السلوك ككل لأن دراسته كأجزاء لا يحقق الهدف المرجو من دراسته لأن طريقة الدراسة غير ملائمة و مضللة ...

1ـ أهم مفاهيم الجشطالتية :
جاءت هذه النظرية بعدد من المفاهيم و المصطلحات، منها:
+ الجشطلت: هو أصل التسمية لهذه المدرسة، و تشير هذه الكلمة الألمانية الأصل إلى معانٍ مختلفة في اللغة العربية فهي تعني الكل المترابط الأجزاء باتساق و انتظام، بحيث تكون الأجزاء المكونة له في ترابط دينامي فيما بينها من جهة، و مع الكل ذاته من جهة أخرى. فكل عنصر أو جزء من الجشطلت له مكانته و دوره و وظيفته التي تتطلبها طبيعة الكل .
+ البنية: تتكون من العناصر المرتبطة بقوانين داخلية تحكمها ديناميا و وظيفيا، بحيث إن كل تغيير في عنصر يؤدي إلى تغيير البنية ككل و على أشكال اشتغالها و تمظهراتها.
+ الاستبصار: هو الوصول إلى الحل ، و بطريقة سريعة و حاسمة أو هو إدراك العلاقات الموجودة في الموقف المشكل و الوصول إلى الحل أو الحلول المناسبة دفعة واحدة .
+ التوازن أو الاتساق المعرفي : يرتبط هذا المفهوم بتحقيق الفهم الكامل و إيجاد نوع من الانسجام بين الخبرات السابقة لدى الفرد و ما يراد اكتسابه من خبرات جديدة من ناحية، و استبصار الموقف المشكل و الوصول إلى حل له و من ثم استعادة التوازن المعرفي من ناحية أخرى.
+ إعادة التنظيم الإدراكي: المقصود به إعادة تنظيم المتغيرات الحسية أو البيئية أو محددات أو معطيات الموقف المشكل بصورة تكتسب معها هذه المتغيرات أو المعطيات معاني أو علاقات جديدة.
+ مفهوم الانتقال: لا يمكن التحقق من التعلم إلا عند ما يتم تعميمه على موافق مشابهة في البنية الأصلية، و مختلفة في أشكال التمظهر، حيث إن الاستبصار الحقيقي هو الذي ينتقل إلى المجالات المرتبطة و الملائمة.
+ مفهوم الدافعية الأصيلة: تعزيز التعلم يبغي أن يكون دافعا داخليا نابعا من الذات نفسها.
+ الفهم و المعنى: تحقيق التعلم يقتضي الفهم العميق للعناصر و الخصائص المشكلة لموضوع التعلم، و بالتالي الكشف عن المعنى الذي تنتظم فيه هذه المحددات، حيث الفهم هو كشف استبصاري لمعنى الجشطالت.

2ـ المبادئ التي تقوم عليها نظرية الجشتالت:
لقد أقام علماء مدرسة الجشتالت نظريتهم على الفروض التالية:
(1) عند مواجهة الكائن الحي مشكلة معينة فإنه يصبح في حالة من عدم التوازن المعرفي فيعمل على حل تلك المشكلة لاستعادة التوازن.
(2) يعتمد نجاح الكائن الحي في حله للمشكلات التي تواجهه على الكيفية التي يُدرك بها محددات أو خصائص الموقف المشكل أي حدوث عملية الاستبصار.
(3) تحدث عملية الاستبصار من خلال الإدراك المفاجئ للعلاقات بين الوسائل و الغايات و إعادة التنظيم الإدراكي لمحددات الموقف المشكل.
(4) يحدث التعليم عن طريق الاستبصار.
(5) التعلم القائم على الاستبصار أكثر قابلية للتعميم و أقل قابلية للنسيان.
(6) يعتمد التعلم عند الجشتالت على دافع أصيل لدى الكائن الحي هو استعادة التوازن المعرفي.

3ـ التطبيقات التربوية لنظرية الجشتلت:
لقد ساهمت نظرية التعلم الجشطلتية في تغيير و تطوير السياسات التعليمية و التربوية في عدة دول، و ذلك في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي ، بحيث استفاد الديداكتيك من تلك النظرية ، فأصبح التعليم يبدأ من تقديم الموضوع شموليا، فجزئيا وفق مسطرة الانتقال من الكل إلى الجزء، دون الإخلال بالبنية الداخلية، و في نفس الوقت تحقيق الاستبصار على كل جزء على حدة.
و هكذا فنظرية الجشطلت ساهمت إلى حد كبير في صياغة السيكولوجيا المعرفية، و بالخصوص سيكولوجيا حل المشكلات..
و لعل المثال الأبرز على مدى استفادة البيداغوجيا من النظرية الجشطلتية يتجسد فيما يدعى بالطريقة الكلية في تدريس اللغة méthode globale ، و هي الطريقة التي ابتدعها البيداغوجي البلجيكي أوفيد ديكرولي O.Decroly. فبالاعتماد على قوانين الإدراك كما وردت في النظرية الجشتالتية تمكن هذا الباحث من تصميم طريقة في التدريس جعل منها بديلا تعليميا للطريقة التجزيئية التي اعتادت المدرسة أن تقدم بواسطتها دروس القراءة و الكتابة، و نعت التجزيئية يعني هنا أن تدريس اللغة ينطلق من البسيط إلى المركب، من الجزئي إلى العام. و بعبارة أكثر وضوحا ينتقل من الحرف ثم الكلمة، ثم الجملة، فالنص.
و الواقع أن هذه الطريقة التجزيئية تنطوي على كثير من العيوب وفق ما يلاحظه ديكرولي، فهي تمكن المتعلم فعلا من معرفة الحرف أو الكلمة، و لكنه لا يعرف كيف تركب في السياق، بل وأحيانا لا يدرك العلاقات متعددة الأوجه التي يمكن أن توظف بها كلمة أو جملة ما.... و كبديل عن الطريقة التجزئية يقترح ديكرولي ما يسمى بالطريقة الكلية Globale ، و هي طريقة تمكن المتعلم من الانطلاق من الكل إلى الجزء، أي من تعليم الكلمة إلى الحروف، و من المعلوم إلى المجهول، فهي تستغل خبرات الطفل عن الأشياء المحيطة به، فيندفع إلى التعلم متشوقا لأنه يتخذ المعنى مطية لإدراك المبنى.
فالحرف، حسب الطريقة الكلية ، يقدم في سياق الكلمة، و الكلمة في سياق الجملة حيث يتخذ معناها ألوانا متعددة، و الجملة في سياق النص لأن هذا الأخير هو الذي يعطيها مكانا أو وظيفة خاصة. و بذلك يتمكن المتعلم من اللغة تمكنا يمكنه من إدراك بنيتها وظائفها المتنوعة.