• قال تعالى "مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ" سورة المدثر

قصة للعبرة

..
أصيب أحد كبار تجار دمشق بسرطان قاتل.. وسرعان ما قرر الرحيل الى امريكا !
وبعدما أنهى جميع التحاليل والصور الطبية أخبره طبيبه المعالج هناك أنه لا نتيجة ولا فائدة مرجوة من العلاج فقد استشرى السرطان بجسده ولم تعد هناك بارقة أمل تذكر ..
ثم قال الطبيب للتاجر بصراحة مطلقة:
لم يعد أمامك من العمر إلا أيام قليلة لاتتجاوز شهراً.. فارجع إلى بلدك لتموت فيها، واغتنم ماتبقى لك من أيام فيما تحب وتشتهي واستمتع!
عاد التاجر إلى دمشق وقد مضى من شهره المتبقي ثلثاه ؛ وبدأ ينتظر موعد رحيله عن هذه الدنيا ..
وذات يوم ماطر شعر التاجر بضيق يأكل قلبه ويكتم أنفاسه، فترك البيت وذهب يمشي هائماً على وجهه على الأرصفة حتى شعر بالتعب، فتوقف بحانب جدار يسترد أنفاسه ..
كان على الرصيف صبية تحاور شاباً وسيما يمضغ العلكة متمايلاً ويبدو على محياه علائم السعة والقوة.. لم يكترث بالتاجر المريض الذي وقف قربه، وتابع حديثه مع الصبية الفقيرة وهو يساومها على جسدها (هكذا فهم التاجر من حديثها وصوتها الخفيض) ..
كانت تشرح للشاب حاجتها لبعض المال، والخبز.. فقد رمى بها صاحب البيت الذي استأجرته مع أطفالها في الشارع، وكانت تبكي وتقول الشاب والله أنا شريفة بعمري ما ارتكبت الخطيئة… ارحمني
غير أن الشاب لم يرض ان يدفع لها ماطلبت، وظل يساومها على جسدها النحيل، وكان يريدها بثمن بخس !
وعندما أصرت على المبلغ الذي تطلبه أجرة البيت تركها الشاب ومضى!!
اقترب منها التاجر المريض.. ورأى دموع الأسى تفيض مرارة ..
فقال لها:
أعذريني يا ابنتي فقد سمعت جانباً من حواركما، فما قصتك بحق الله، وماذا تريدين؟
مسحت الصبية دموعها وقالت ..
الدنيا شتاء، والسماء تمطر، وأولادي في الشارع .. رمانا صاحب البيت خارجاً، وزوجي سجين لاأعلم عنه شيئاً وليس لي أهل !
وأقسم بالذي رفع السموات أنني أول مرة في حياتي أقف هذا الموقف الرخيص بعد أن أغلقت كل الابواب في وجهي، وحتى هذا الباب لم يفتح ..
قال التاجر المريض :
اسمعي يابنيتي .. ماذا تقدمين لي إذا كفيتك حاجتك، وأعطيتك كل العمر مؤونتك، ومنعت الفقر عنك؟!
قالت : اطلب ما تريد.
قال :
أريد منك شيئاً واحداً..
هو أن تعاهديني على ألا تفكري بالحرام طول عمرك وأنا اتكفل بك وبأولادك !*
قالت الصبية : الله يستر عليك.. طبعا أوافق..
قال التاجر : وماهو الضمان لتنفيذ ذلك؟
قالت الصبية : أتقبل ان يكون الله ضامناً لي وكفيلا؟.. أُشهد الله الذي لا يسمعنا غيره أن أفي بوعدي لك كل عمري وحياتي، وأن أحمد الله الذي أرسلك لي في هذا الوقت بالذات !!
قال التاجر :
اتفقنا والشاهد علينا الله.. أعطني عنوان بيتك وعودي إلى هناك وانتظريني مع أولادك وسآتي اليك بعد قليل !
عاد التاجر إلى مكتبه مسرعاً، وكتب وصيته على ورقةٍ ووضعها في صندوق المال، وكتب عليها :
أبنائي الأحبة.. وصيتي لكم أن ترسلوا راتباً شهرياً يكفي خمسة أشخاص إلى العنوان المذكور في الأسفل طوال عمركم فنفذوا وصيتي من بعدي، حفظكم الله !*
ثم حمل معه بعض المال من المكتب وعاد إلى بيت الصبية.
وفي اليوم التالي ذهب إليها محملاً بسيارة مؤونة.. ثم دفع لصاحب البيت الإيجار عن الأشهر السابقة كلها، وإيجار ثلاث سنوات قادمة…
عاد التاجر إلى بيته وفي قلبه فرح غامر رغم أساه منتظراً حتفه في نهاية شهره المتبقي ..
ولكن انتهى الشهر وانقضت مدة البقاء في هذه الدنيا غير أن الموت لم يقترب منه ..
وذهب أول الشهر إلى الصبية وناولها راتبها وقفل راجعا ..
وتوالت الأيام ولم يمت التاجر، وكان يوصل المبلغ بيده شهراً وراء شهر .. حتى مضت السنوات، وبقيت الوصية في خزنة النقود أكثر من عشرين عاماً ..
وفي يوم من الأيام .. نهض تاجرنا لصلاة الصبح وسجد خاشعا لله وفي قلبه يقين ونور وإيمان وطمأنينة تسع الدنيا كلها..
وأسلم روحه لباريها وهو ساجد لربه..
وبعد انقضاء مدة العزاء فتح أولاده صندوق المال فوجدوا الوصية المكتوبة ..
قال كبيرهم : تأخرنا سبعة أيام عن دفع الراتب للصبية الفقيرة !
ثم أخذ مبلغ الراتب وذهب مسرعاً إلى العنوان المذكور ..
طرق الباب..
فخرجت امرأة لم تعد صبية كما ظن ..
قال لها : تفضلي هذا الراتب، ونعتذر عن التأخير
*قالت له وفي عينيها دموع سخية :
أشكركم من قلبي .. قل لوالدك أن يبحث عن محتاج غيرنا.. لقد قبض إبني أول راتب منذ سبعة أيام…

ولم نعد بحاجة للمال !!
سلم لي على أبيك وقل له :
سأبقى أدعو له ماحييت..
نظر إبنه إليها وقد أغرورقت عيناه بالدموع وقال :
لقد توفي والدي منذ سبعة أيام..