• قال تعالى "مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ" سورة المدثر

العقل الباطن

يُحكى أن فلاحًا زار أحد فلاسفة الرومان في بيته، وصادف وقت مجيئه وقت غداء الفيلسوف، فأصرَّ على ضيفه أن يجلس معه على مائدة الغداء .. لبّى الفلاحُ دعوة صاحب البيت، وعندما تناول طبق الحساء بين يديه رأى فيه أفعى صغيرة، ولكنه رغم هذا أكل ما في الطبق لأنه كره أن يحرج الفيلسوف !
عاد الفلاح إلى بيته ولم ينم ليلته تلك من وجع في بطنه، وقال في نفسه هذا أثر السُّم، وفي الصباح الباكر قصد بيت الفيلسوف علّه يجد دواءً لما ألمّ به، وكم كانت دهشته عظيمة عندما أخبره الفيلسوف أنه لم يكن في الطبق أية أفعى، وإنما هذا انعكاس رسمة على السقف في الطبق، واصطحبه إلى غرفة الطعام وسكب له طبقًا وقال : انظر أيوجد به أفعى ؟
قال الفلاح : لا
عندها وضع الفيلسوف الطبق تحت الرسمة التي في السقف مباشرة، انعكست صورة الأفعى فيه، ثم قال له : الأفعى توجد في عقلك فقط !
الغريب أن الألم في بطن الفلاح زال فور معرفته بالحقيقة!
المفترض أن العقل هو الأداة التي يميز بها الإنسان الحقائق من الأوهام، ولكن الإنسان أحيانًا يُنشئ أوهامًا تصبح لها قوة الحقيقة، فيتلقاها العقل كأقوى ما يتلقى الحقائق وبدل أن يعمل على دحضها كما هو مفترض يقوم ببناء تصرفات وردات أفعال مبنية على الأوهام ولكن لها فعل الحقائق في ذهن صاحبها !
الحيوانات التي تُربط مدة طويلة لا تُغادر أماكنها عندما نحلُّ وثاقها، والسبب أن القيد المعنوي صار له في النفس قوة القيد المادي الذي هو الحبل !
نصنع للزريبة بابًا ولكن فتح الباب لا يؤدي دائمًا لفرار الحيوانات، لأن إغلاق الباب مدة طويلة أنشأ بابًا معنويًا لم يفتح حين فُتح الباب المبني من الخشب !
ثمة عصافير حُبست في الأقفاص مدة تنسى فيها أن الغصن هو الأصل وأن القفص استثناء، لهذا بعضها لة يطير بعيدًا إذا نسي صاحب القفص الباب مفتوحًا، وربما لا يبرح القفص أساسًا وأكثر ما يفعله هو أن يخرج من الباب ويبقى قريبًا من القفص لأن قفصه الحقيقي في داخله !
وما ينطبق على الحيوانات حدث فعلًا مع الناس بعد إقرار قانون تحرير العبيد في أمريكا، غادر العبيد مزارع أسيادهم، ولكن المفاجأة كانت أن كثيرًا منهم قد عاد إلى تلك المزارع وأولئك الأسياد، والسبب أنهم اعتقوا الإنسان من المزرعة المادية، ولكن المزرعة التي كانت تحبس جسده بقيت تحبس روحه، فالحرية الحقَّة تنبع من الداخل، وممارستها تكمن عبر إيمان الفرد أنه حر ولو كان يرزح تحت نير العبودية، ولا مثال أصدق على هذا من بلال بن رباح وأمية بن خلف، الإسلام حرر روح بلال، فصار ندًا لسيده رغم أن أميه بعرف الصحراء كان يملك جسد بلال، وعندما نقول أن أبا بكر أعتق بلال بن رباح فإننا نعني أنه دفع ثمن الجسد لأمية بن خلف أما الروح فكانت حرة تنطق "أحد أحد" قبل عقد تلك الصفقة الجليلة !
والأوهام غالبًأ ما تكون لها صورة المعتقدات، ومتى ما تحكمت بالإنسان جعلت حياته مزرية، فالذي يؤمن أن لا وجود للأصدقاء من المستحيل أن يبني علاقة صداقة متينة مع أحد مهما كان هذا الأحد نبيلًا ويستحق أن يُدعى صديقًا ! المشكلة أحيانًا فينا وليست في الآخرين !
والذي يؤمن أن لا وجود لزواج ناجح، لن يكون زواجه ناجحًا، هذا لأنه وسَمَ علاقة قبل أن يخوض غمارها !
لا يمكن للمرء أن يربح معركة دخلها وهو مهزوم من الداخل، معارك المسلمين الأوائل كانت بغالبيتها غير متكافئة عددًا وعتاداً، ولكنهم كانوا ينتصرون بالروح العالية والإيمان الراسخ اللذين كانا يجعلان الفارق في ميزان القوى غير موجود فعليًا، وعندما وقف ثلاثمئة مقاتل لم يخرجوا أصلًا للقتال إنما طلبًا لقافلة قريش في وجه جيش مدجج يزيد عن الألف، قال حمزة رضي الله عنه : إن كلّ ما أمامي لا يخيفني، هم أكثر عددًا ولكننا بالإيمان أكثر قوة !
النجاح والفشل يبدأ من الداخل، فأصلحوا أفكاركم !
ربي بالقبول والشرب من حوض الرسول وأنا معكم