• قال تعالى "مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ" سورة المدثر

المقصورة الأخيرة بالقطار

قصة قصيرة من الأدب العالمى المُترجَم للكاتب والمُفكر ديستوفيسكى ،
(المقصورة الأخيرة بالقطار)
فى كل عام كان والدا الطفل "مارتان" يصطحبانه معهما بالقطار ،،
ليقضى كامل عطلة الصيف بالريف ،
ثم يعودان هما فى اليوم نفسه ، ويتركانه برفقة جِدته وآهله هناك ،!
وفى إحدى الأعوام قال لهما الطفل :
أنا أصبحت كبيراً الآن لقد بلغت العشر سنوات من عمرى ،،
لماذا لاتتركانى أذهب بمفردى ؟
فوافق الوالدان ،،
بعد نقاشهما معه وإلحاحه عليهم ،!
وها هما في اليوم المحدد ،،
واقفان على رصيف المحطة يكرران بعض الوصايا والنصائح له ..
بينما هو يتأفف من أقوالهما
قائلا فى نفسه :
لقد سمعت هذا ألاف المرات ،!
لكن وعلى كل حال ،،
وقبل أن ينطلق القطار بلحظة ،!
إقترب منه والده ،،
وهمس له في أذنه قائلاً له :
خذ هذه الورقة لك ،،
إذا ما شعرت بالخوف أو بالقلق إقرآها فوراً ولا تتردد ،!
ثم وضعها الأب بجيب طفله الصغير مارتان ،!
وهكذا غادر وتركه بمفرده ،
وبعد أن دخل معه وأجلسه على المقعد المحدد له بالقطار وإطمأن عليه ،!
وهكذا جلس الطفل وحيداً في القطار دون أهله للمرة الأولى بحياته كلها ،
ثم بدأ يشاهد مناظر الحقول والطبيعية خارج النافذة ، ويسمع ضجة الناس الغرباء تعلو حوله داخل القطار ، غابات وحقول من الخارج ، وأناس مختلفين يخرجون ويدخلون ويتبدلون من حوله ، ولكن أغلبهم كانوا ينظرون له بإستغراب ودهشة ،!!
ولكن حين مر عليه مُراقب القطار ؟
تعجب وإندهش جداً هو الأخر ،
حيث أخرج مارتان تذكرته من جيبه ،
فبدأ المراقب يوجّه له بعض الأسئلة ؟؟
وطبعاً أستنكر كوّنه وحيداً ومن دون رفقة أحداً من الكبار ،!
وأيضاً سيدة أخرى كانت جالسة عن قرب منه ،
رمقته بنظرة حزينة وقالت للمُراقب :
أى أم تلك التى تركت صغيرها هكذا ، بل وأين والده وباقى آهله ، وكيف تركوه هكذا وحيداً ؟؟
وألم يفكرا ماذا سيحدث له لو تعطل القطار ليلاً وعلى سبيل المثال ؟!
فإرتبك مارتان حينها ولم يجد ما يجيب به عليهما ،،،
بل وأدرك أنه ليس على ما يُرام أبداً ،!
ثم بدأ يشعر بالقلق والحيرة ،!
وبدأ يتوتر ويرتبك وأمتلآ قلبه خوفاً من آمرٍ مجهول ربما سيحدث له ...
فأخذ يتقوقع وإنكمش داخل كرسيه الكبير على حجمه ، فوضع رأسه الصغير بين ركبتيه ليخفى ملامح وجهه عنهم ،!
ثم أغرورقت عيناه بالدموع ، وبدأ يبكى نادماً على إختياره الخطأ ليكون بفرده هكذا ،!
وفي تلك اللحظة فقط ،،،
تذكر همسات أبيه له ، وأنه دسّ حينها شيئاً ما في جيبه لمثل تلك اللحظات ،!
فبدأ يفتش في جيبه ويده كانت ترتجف ، وأخيراً عثر على الورقة الصغيرة ،!
ففتحها وقرآ مافيها :
يا ولدى لقد لبيّنا لك رغبتك ،،
وها أنا وأمك معك "بالمقصورة الأخيرة من القطار"
فلابد أن نزور جدتك نحن أيضاً ولنطمأن عليها وعلى أهلنا ،!
فنهض مارتان مسرعاً ،،
وكأنه إسترد روحه التى كادت تفارقه ، من شدة الخوف والقلق ،!
وتبدلت حالته لثقة وطمأنينة ولأبعد الحدود ، حيث وقف وأخرج منديله وجفف دموعه ، ونظر لكل من هم حوله بنظرات الشموخ والثقة ، وكآنه يريد أن يقول لهم :
أنا لست وحيداً أبداً كما أنتم واهمون ،!
أنا لدىّ أعظم أب وأجمل أم فى الدنيا كلها ،،،
ولىّ آهل وأقارب وعائلة أحبهم ويحبونى ،!
- ديستوفيسكى -
نعم ،،
فتلك هى الحياة ،
نحن نعطى كامل الثقة لأولادنا ، ولتتكون لديهم كامل الثقة بأنفسهم ،!
ولكننا ودائما نشعر بإننا متواجدين في المقصورة الأخيرة من قطار حياتهم ، وسنظل هكذا مادمنا على قيد الحياة ،!
فنحن خُلقنا لنكون مصدر شعورهم بالآمان ،،