• قال تعالى "مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ" سورة المدثر

المناهج التربوية الحديثة التي تشكل منطلق المدرسة النشيطة

الموضوع:
يقول جون بياجيه: ً إن المناهج التربوية الحديثة التي تشكل منطلق المدرسة النشيطة تأخذ بعين الاعتبار مراحل النمو وتعترف بدور النضج البنيوي، وبآثار التجربة، ودور المحيط الاجتماعي والطبيعي خلافا للمدرسة التقليدية التي تماثل الطفل بالراشدً .
حلل وناقش هذه القولة
مقدمة:
إن المناهج التربوية الحديثة لم تكن نتيجة عمل شخص معزول استخلص نظرية سيكوبيداغوجية حول نمو الطفل استنادا إلي بحث ما في موضوع خاص، بل إن المناهج الجديدة فرضت نفسها على جبهات متعددة في آن واحد.
لقد انطلقت هذه المناهج مع أفكار روسو حول طيبوبة الإنسان وبراءة طبيعته ثم ظهرت أفكار هامة حول النمو مع ستانلي هال، واكتشفت مستوي الطفل يتعلم من خلال الفعل أكثر مما يتعلم بالفكر، واستخلص ديكرولي من التحليل العقلي للمتأخرين منهجية جيدة في تعليم القراءة، ثم برزت آراء بياجيه حول النمو العقلي ونمو المفاهيم(الزمن، المكان، العلية...)
ولقد أرست أفكار هؤلاء الباحثين وغيرهم أساس المدرسة النشيطة التي قدمت أفكارا جديدة حول طبيعة الطفل ومراحل نموه ونضجه، آراء التجربة والمحيط الاجتماعي والطبيعي في تكوينه، وذلك في مقابل التقليدية التي تصورت الطفل مثل الراشد بحيث يتشابهان في العقلية والبنية ويختلفان في الحجم.
وسنحاول أن نحصر أفكار هذا الموضوع من خلال تحليل النقاط الآتية:
- مفهوم المدرسة النشيطة وأهدافها.
- مبادئ التربية التنشيطية.
- القيمة التربوية لمراحل النمو.
الموضوع:
(المدرسة مؤسسة أنشأها المجتمع نيابة عن الراشدين لتقوم بوظائف معرفية ووجدانية وأخلاقية بهدف الإسهام الفعال في تعزيز النمو السوي المتكامل للشخصية ) فهي أداة لتكوين الفرد وإنماء طاقته والكشف عن ميوله وقدراته من أجل خدمة الفرد والمجتمع)
أما كلمة النشاط فقد بدأت تردد في مدارسنا حتى إن الدروس اكتسبت هذه التسمية (النشاط اللغوي، النشاط العلمي ) فما معنى النشاط ؟
يقول فهمي توفيق (النشاط المدرسي1978 )
ً ان النشاط المدرسي مجال تربوي واسع خصب/ يكسب التلميذ الخبرات المفيدة في الحياة/ فهو فرصة للتعليم عن طريق العمل/ فهو إذن/ مجال يعبر فيه التلاميذ عن ميولهم/ويشبعون حاجاتهم/ كما يتعلمون فيه مهارات وصفات يصعب تعلمها في الفصل العادي/ مثل التعاون مع الغير/ وتحمل المسؤولية/ وضبط النفس/ واحترام العمل اليدوي/ وإتقان بعض مهاراته/...
من هذا التحديد يتبين جليا أن النشاط المدرسي لا يحده فصل ولا مادة ولا مدرس أو حارس. إلا أنه ليس مجالا يترك فيه الحبل على الغارب وينطلق فيه الطفل كيفما شاء.
وينبغي أن يحقق النشاط الأهداف التالية:
أ-أن يكون نابع من ميول التلاميذ ليشبع حاجاتهم ورغباتهم.
ب- أن يكون مجالا لتعلم الخبرات الاجتماعية والعلمية والخلقية والعلمية التي من شأنها أن تنمي شخصيات المتعلمين.
ج- أن يكون وسيلة لتنمية ميول التلاميذ وقدراتهم، وفرصة للكشف عن الميول وتوجيهها الوجهة الصحيحة.
د- أن يثير استعداد التلاميذ للتعلم ويجعلهم أكثر قابلية لمواجهة المواقف التعليمية واكتساب ما تقدمه المدرسة لهم.
ه- أن يهيئ للتلاميذ مواقف شبيهة بمواقف الحياة، إن لم تكن مماثلة لها، مما تترتب عليه سهولة استفادة التلميذ مما تعلم عن طريق المدرسة في المجتمع.
من خلال ما سبق نرى أن المدرسة الحديثة تسعى إلى الانتقال بالطفل من البيئة التربوية الطبيعية التي تتم في الأسرة إلى البيئة التربوية الاصطناعية في المدرسة، انتقالا تدريجيا إلى الأمام وهذا ما دعا جون ديوي غالى القول: ً ينبغي أن تنمو المدرسة تدريجيا من حياة البيت فتتعهد ألوان النشاط التي ألفها الطفل، وتدفعها إلى الأمام.ً
2- ويرى بياجيه أن التربية هي توافق الفرد مع البيئة المحيطة به، والطرائق التنشيطية تستغل هذا التوافق وذلك باهتمامها بدوافع الطفل التلقائية المرتبطة بنموه العقلي.
ولا يمكن أن نفهم التربية التنشيطية الحديثة إلا إذا عمدنا إلى تحليل مبادئها وقيمتها السيكولوجية في النقاط الآتية:
-مفهوم الطفولة:
إن التربية التقليدية تفرض العمل على الطفل الذي يقوم بمجهود يزداد أو ينقص حسب جدية المعلم، ومقدار تعاونه مع التلاميذ)( بينما تدعو التربية الحديثة إلى نشاط واقعي والى عمل تلقائي، يقوم على حاجات ودوافع فردية).
يقول كلاباريد:ٌ إن قانون الميول هو المحور الوحيد الذي يدور حوله كل النظام المدرسي، وهذا المفهوم يتضمن فكرة دقيقة عن معنى الطفولة ونشاطاتها.
ويرى ديوي:ٌ أن العمل المفروض هو شدود مضاد للحياة النفسية، وأن النشاط الخصب يفترض دافعيةٌ ومن هنا نتساءل: هل يمكن أن نقرض على التلاميذ القيام بأعمال هي من خصائص سلوك الكبار؟ هذه هي المشكلة الأساسية في التربية الحديثة.
إن التربية التقليدية/تنسب إلى الطفل بنية مماثلة لبنية الراشد/ إنها تنظر إلى الطفل على أنه قادر على فهم كل ما هو منطقي/أو على فهم القواعد الأخلاقية بشكل عميق/ وهي تتصور أن الطفل قادر على العمل بدون دافع/، ودون أن يستجيب هذا النعل لحاجاته./
عقل الطفل: إن البنيات العقلية والأخلاقية للطفل ليست مماثلة لبنيات الراشدين، ولهذا فان الطرائق الحديثة في التربية تحاول أن تقدم الأطفال من مختلف الأعمار مواد تعليمية مناسبة لمختلف مراحل نموهم.
لكن من الناحية الوظيفية/ فالطفل مماثل للراشد، من حيث أنه كائن نشيط/ يعمل تحت تأثير الدوافع/ انه يعمل مثل الراشد/ ولكن عقليته تختلف في بنيتها حسب مراحل النمو/
إن التربية التقليدية تعامل الطفل على أنه رجل مصغر، كائن يفكر ويشعر مثلنا، ولكن تنقصه المعارف والتجارب، إذن فالطفل هو راشد جاهل، ووظيفة المربي هي حشد العقل بالمعلومات.
وإذا ما اعتبرنا بأن عقل الطفل يختلف من الناحية الوظيفية عن فكر الراشد، فان الهدف الأساسي للتربية هو تكوين العقل لاتركيبه من الخارج، ولكن باختيار الطرائق المناسبة التي تساعده على أن يكون نفسه بحيث يصل إلى مستوى في الانسجام والموضوعية، وإذا ما اعتبر المعلم أن عقل الطفل يتحدد من الخارج، وأن النمو العقلي يرتبط فقط بالتجارب الفردية ومؤثرات البيئة الطبيعية والاجتماعية، فان العواقب ستكون صعبة على الطفل، لأن المعلم سيضيع وقته في الإسراع بإنماء عقول التلاميذ. بينما تقضي المسألة التريث واختيار المعارف المناسبة لمستوى بنية العقل ونموها.
3- القيمة التربوية لمراحل النمو:
إذا تساءلنا كيف يمكن للمدرسة أن تفسر قوانين ومراحل النمو العقلي؟ ولنأخذ مفهوم السببية عند الطفل، فإننا نلاحظ عند الأطفال الصغار كثيرا من المفاهيم التي تتضاءل أهميتها تدريجيا مع النمو العقلي والزمني. إن فكرة الإحيائية التي يؤكد فيها الأطفال على أن الأشياء مزودة بالحياة والإرادة. وأنها قادرة على الحركة بنفسها، وحركتها تتجه إلى خدمة الإنسان وكذلك فكرة الاصطناعية التي تفيد عند الأطفال الصغار بأن الأشياء قد صنعت نفسها بنفسها أو صنعها الراشد، وأن الليل مثلا سحابة سوداء كبيرة، أو غطاء ينتشر على مجموع السماء، هذه الأفكار تتضاءل تدريجيا مع النمو.
إن الظواهر الطبيعية يرجعها الطفل في المرحلة المبكرة (3-5 سنوات) إلى قوى بشرية عظمى.أي أن إدراك الطفل لظواهر العالم الخارجي ينطلق من ذاتيته ومفاهيمه الخاصة القائمة على التمركز الذاتي Egeccnrime.
وفي الطفولة المتوسطة(6-8 سنوات) تتجلى بوادر التوازن في عقل الطفل، ولكن لا تحدث العلاقات بين العمليات العقلية بشكل متكامل،اذ نجد أشكالا من التفسيرات الإحيائية والاصطناعية.
وتأتي أخيرا مرحلة الطفولة المتأخرة (9-11 سنة) والتي تعمل فيها الميكانيزمات العقلية بشكل متكامل، ويرتبط فيها الأطفال الأشياء بعضها ببعض عن طريق التصنيف والجمع والإعداد والمقارنة.
إن هذا التطور في مفهوم السببية حسب مراحل النمو، يعبر عن تغيير بنيوي في عقل الطفل، وإذا ما قارنا بين استجابات الأطفال والراشدين، فانه من المستحيل أن نرفض دور النضج، ولكن السببية العلمية ليست فطرية فهي تنشأ تدريجيا، ونشأتها تفرض تصحيحا للتمركز الذاتي الأولى عند الطفل.
ومن النتائج التي توصل إليها بياجيه أثناء معالجته لدور المتغيرات الوراثية وآثار العوامل البيئية من إدراك الطفل الظواهر الطبيعية هي أن الأسئلة المتشابهة التي تقدم للطفل في مرحلة معينة من نموه. تلقي منه إجابات مختلفة، وذلك تبعا للبيئة الأسرية أو المدرسية التي يعيش فيها وحسب شخصية الباحث الذي يسأله.
ومن المغالاة أن نعتبر استجابة معينة كخاصية مطلقة أو مضمون تابت لمرحلة خاصة، وعندما قارن بياجيه وساعدوه بين الأطفال من نفس المستوى العقلي، لكنهم ينسبون لبيئات مختلفة، مع أجوبة أطفال من مستويات عقلية أخرى، ومن بيئات متشابهة، تبين له وجود خصائص مشتركة من أجوبة الأطفال، وتعبر هذه الخصائص العامة عن النشاط العقلي الكامل، الذي يميز المراحل في علاقة بعضها ببعض.
وتوصل أخيرا إلى عدم وجود حدود بين ما ينشأ عن نضج بنية العقلية، وبين ما يقوم على تجربة الطفل أو مؤثرات البيئة التي يعيش فيها(طبيعية واجتماعية)، والشيء المسلم به أن العاملين يتدخلان باستمرار، والنمو العقلي هو حصيلة تفاعلهما المستمر.
لكن ماذا تستفيد المدرسة من هذه النتائج؟
أ-ينبغي أن يتعرف المربون على وجود تطور عقلي وأن المعلومات التي نقدمها للطفل، يجب أن تتلاءم مع مستوى عمره تستجيب لدوافعه في كل مرحلة من النمو.
ب- إن البيئة التي فيها الطفل بمؤثراتها وتجاربها المختلفة يمكن أن تلعب دورا حاسما في نموه العقلي.
ج- إن الطرائق التربوية السليمة يمكن أن ترفع من مرد ودية ونتائج التلاميذ، وتجعل من نموهم العقلي دون أن تضربه.
ومن المسائل التي يؤكد عليها بياجيه ويعتبرها مفتاح مشكلة التجديد التربوي، هي تكوين المعلمين.
فإذا ما تلقى المعلمون تكوينا متينا، فان هذا من شأنه أن يرفع مستواهم الثقافي والاجتماعي، ويؤدى بالتالي إلى التقليل من النزعة المحافظة التي جعلت من المدرسة مؤسسة ترتد إلى الماضي Rarospacctif، كما أن تكوين المعلمين سيساهم ولا شك في تفتيح شخصية التلميذ، وفي الإعلاء من مستوى الثقافي للأبناء الشعب، ويتوقع أن يصبح النظام التربوي أكثر فاعلية.
وذلك ما تسعى إليه التربية الحديثة، لكن ما هو مضمون التكوين يقدم للمعلمين؟ ينبغي أن يمتلك المعلم ثقافة في سيكولوجية التعليم، وسيكولوجية الذكاء، وأن يتلقى تكوينا صحيحا في التربية، يقول بياجيه عن هذه الأخيرة :
إنها مادة لا غنى عنها لمعلم المدرسة ٌ
ويلح بياجيه على الثقافة العامة التي هي أساسية للتفتح العقلي، كما يولي أهمية كبرى للتكوين السيكولوجي والسوسيولوجي، الذي يمكن المعلم من التجريب، ويساعده على تفتيح أذهان التلاميذ بواسطة تعليم جهاز استقبال.
خاتمة:
يبدوا واضحا مما استعرضناه أهمية العلاقة بين علم النفس التكويني ومضمون التعليم، فالتطابق بين التعليم والنمو النفسي للطفل عملية ضرورية أكدتها دراسات علمية، وبينت صلاتها الوثيقة، ويرى بياجيه أن الإصلاح لا تعم فائدته إذا لم تتوفر المدرسة على كثير من المعلمين ذوي الكفاءة التربوية.
ولقد استثمرت المناهج الحديثة هذه الصلات الوثيقة بين علم النفس الطفل والمدرسة بصفة عامة، وحاولت خلق جو للعمل يسوده النشاط، واهتمت المناهج بمراحل النمو ودورها في النضج البنيوي لشخصية المتعلم وسعت إلى حفزه على العمل مستعينة بآثار التجربة لما لها من فاعلية في تثبيت ولترسيخ المعلومات المكتسبة بالعمل.
هذا مع أخذ الاعتبار دور المحيطين الاجتماعي والطبيعي من تدخلات تسم كل طفل بخصوصية تجعله يختلف عن الآخرين.
فالمحيط الاجتماعي له دور خطير في تثقيف أو تبلد الطفل حسب الوسط والمعتقدات السائدة فيه/ وحسب القيم المتداولة فيه/ والوسط الطبيعي تلعب فيه الوراثة دورا هاما/ ولا يمكن، كما يرى بيس شربل، أن نفهم الطفل وفكره إذا انظرنا إليه في حد ذاته وبمعزل عن وسطه.