• قال تعالى "مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ" سورة المدثر

المناهج وأسسها السيكولوجية

الموضوع:
للعلاقة التي تنشأ في التربية حدان، هناك من جهة الفرد في ضرورة نموه، وهناك من جهة أخرى القيم الاجتماعية والثقافية والأخلاقية التي على المربي أن يلقنها، والراشد باعتباره يدرك العلاقة من زاويته الخاصة، لم يفكر في البداية الا في العنصر الثاني، وهذه هي الرؤية التي تنبثق منها معظم طرقنا التربوية، والتي تحدد مناهج التربية العتيقة، أما المناهج الحديثة فتأخذ بعين الاعتبار طبيعة الطفل الخاصة.
بياجيه علم النفس وفن التربية
مقدمة:
ورد هذا الموضوع في كتاب جان بياجيه، علم النفس وفن التربية، في فصل تحت عنوان المناهج وأسسها السيكولوجية، وبياجيه كما هو معروف، مفكر عالمي تنوعت مجالات أبحاثه بين البيولوجيا وعلم النفس والمنطق وعلم الاجتماع والفلسفة والرياضيات والابستومولوجيا، ويرجع له الفضل في تأسيس فرع معرفي جديد سماه بالابستومولوجيا التكوينية، ولقد كرس حياته للبحث العلمي في المجالات السابقة الذكر، واستفاد رجال التربية من نتائج أبحاثه واختباراته السيكولوجية .
ويتناول الموضوع قضية المناهج التعليمية التقليدية منها والحديثة وأسسها السيكولوجية، ويعتبر مدخلا للمناهج الجديدة في التربية.
والوقع أن اختلاف المناهج في العمل التربوي عبر العصور، راجع إلى اختلاف في المنطلقات والأسس التي ترتكز عليها هذه المناهج، وذلك من حيث \فهم وتصوير طبيعة الطفل\ من جهة\ وأدراك العلاقة التي يجب أن تكون بين الطفل وبين الوسط الاجتماعي للراشد من جهة ثانية\ كما أن الرؤية التي تتكون عن فهم هذه العلاقة تحدد في الأخر طبيعة المناهج التربوية وأهدافها. لذا نجد الاختلاف واضحا بين التربية التقليدية والتربية الحديثة.
لقد انساق المربون القدامى إلى اعتبار الطفل إما رجلا مصغرا أو مادة مستعصية تتطلب الترويض أكثر ما تتطلب الإرشاد.. لكن المحدثين انطلقوا من تصور جديد لطبيعة الطفل وسلوكه وتطوير نموه، وعلى أساس هذا التصور، وضعت مناهج جديدة متفتحة.
ويمكن أن نناقش أهم القضايا التي يطرحها الموضوع في التساؤلات الآتية:
1. ما المقصود بالمناهج التربوية ؟
2. كيف تتصور المناهج التقليدية العملية التربوية ؟
3. ماذا قدمت المناهج الجديدة ؟
1. كلمة منهج ٌCurriculum ٌ هي من أصل لا تيني، ومعناها المسك أو المسعى الذي يؤدي إلى الهدف المقصود بأسرع ما يمكن: ويغطي مفهوم المنهج التربوي حقلا تربويا أكثر سعة مما هو الشأن بالنسبة للبرنامج التعليمي، إذ يتضمن بالإضافة إلى المواد الدراسية، كل الخبرات التي يمارسها المتعلمون في المدرسة، ويتعودون عليها كتنظيم التعاونية واستعمال المكتبة والرحلات المدرسية والمشاركة في الأعياد الوطنية والدينية وما إلى ذلك من أساليب النشاط.
ولقد بدأ البحث في المفهوم الخاص بالمنهج مع محاولات إصلاح البرامج التعليمية بعد الحرب العالمية الأولى، إذ تبين أنها لا تساير التطور السريع في الحياة الاجتماعية خاصة فيها يتعلق بالمعارف التي تتضمنها.
ومع تطور علم النفس التكويني، تبين أن البرامج لا تلبي حاجات المتعلم كفرد لا كجماعة.. وتوالت الانتقادات للبرامج على\ مستوى تحديد الأهداف\ واستغلال مغطيات البيئة المحلية\ استعمال الطرق والوسائل التعليمية\ وضبط وسائل التقويم وتحديد طرقه وانجاز أدواته\، وعلى مستوى التنظيم العلمي للمعارف والمواد الدراسية.
وبعد هذه الشارة إلى مفهوم المنهج والبرنامج نتساءل حول العملية التربوية وأطرافها وكيف كانت تمارس في إطار المناهج التقليدية ؟
2. ينطلق نص جان بياجيه من أن العملية التربوية هي عملية يمارسها الراشد على الطفل من أجل تكييفه مع الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه، وذلك بتكييف شخصيته وفقا لحقائق مشتركة وأهداف معينة يحددها المجتمع، وتتمثل هذه الأهداف في مجموع القسم الاجتماعية والثقافية والأخلاقية التي يرسمها الوعي الاجتماعي.
وعلى الأساس تتحدد العلاقة التي تنشأ مزاولة العمل التربويين طرفين اثنين: فهناك من جهة الطفل في سيرورة نموه\ وهناك من جهة أخرى مجموع القيم التي يلقنها المجتمع للطفل.
وإذا كانت المناهج التقليدية، قد وقفت على مجرد نقل القيم جيلا عن جيل، ومطت سيرورة نمو الطفل، واهتمت بالأهداف الاجتماعية أكثر من تقنيات تحقيقها\ فلقد نتج عن هذا المنظور أخطاء يمكن إجمالها في :
- نقصان الانسجام بين فعالات الطفل.
- عدم استجابة المواد لاهتمامات الطفل النفسية.
- عدم مراعاة مستوى الأطفال وقدراتهم.
-عدم إتاحة الفرصة للفعالية الشخصية العفوية للطفل.
ويصور جون ديوي المربي الأمريكي هذه الوضعية بقوله: ً إن المدرسة التقليدية هي تلك التي يقع مركز ثقلها خارج الطفل، أنه في المعلم أو في الكتاب، وفي أي مكان شئت عدا نشاطات الطفل الذاتية.ً
ولا شك أن هذا التصور أو الجمود في التربية قد نتج عن تأخر في ظهور العلوم الإنسانية، وخصوصا علم النفس الذي يعد جوهرا حقيقيا للتربية، لقد اعتقد فلاسفة التربية في أهمية علم النفس الملكات، وهي سيكولوجيا قديمة كانت تتصور عملية التعليم كنوع من الترويض يقوم على تدريب الذهن بحشوه بكثير من المعلومات.
ولما كانت هذه السيكولوجيات غير الناضجة علميا هي عماد المناهج القديمة في التربية والتعليم، لقد نسبت إليها عدة سلبيات نذكر منها:
الشكلية، الحفظ الآلي، السلطة والعقاب، المنافسة.
ومن الجدير بالإشارة أنه ليس هناك استقلال تام بين المناهج الحديثة والمناهج التقليدية، لك أن حلول المناهج الجديدة بشكلها الحالي، هو عبارة عن بناء معرفي، جاء نتيجة لتعاقب تطور إدراك العلاقة بين ًالمربي والطفل ً وهذا التطور المعرفي لا يخلو بطبيعة الحال من صراع غالبا ما ينتهي بتجاوز بعض المفاهيم وبلورة بعضها الآخر، ولقد ساهم كثير من علماء النفس والتربية في هذا التطور وعمارا على التجديد والحداثة.
وأهم ما يميز هذه المناهج الحديثة هو مراعاتها لطبيعة الطفل وقوانين نموه النفسي واختيار الطرائق التي تقوم على الإرشاد والمساعدة، قال جان جاك روسو : إننا لا نعلم الأطفال، وإنما نساعدهم على التعلم ً
لقد عرفت المناهج الجديدة في التربية برعايتها لنشاط الطفل الحق، وبالسمة التبادلية التي تقيمها بينه وبين المجتمع الذي تؤهله للاندماج فيه أو هذه الرؤية التربوية الجديدة، حصلت نتيجة تطور علم النفس الذي مكن الباحثين من معرفة شخصية الطفل، فأصبح النشاط فكرة واضحة وحقيقة نتعامل بها في مدارسنا، وهذا ما أكده بياجيه بقوله: ً أما المناهج التربوية الجديدة، فهي تشكل بلا شك منطلق المدرسة النشطة غدا، فهي مستوحاة غالى حد ما من مذهب وسط، يعترف بدور النضج البنيوي، وآثار التجربة، ودور المحيط الاجتماعي والطبيعي على حد سواء، خلافا للمدرسة التقليدية التي تنكر وجود النوع الأول من هذه العوامل، إذ تماثل الطفل بالراشد منذ الوهلة الأولى، تأخذ المناهج الجديدة في الحسبان أطوار النمو.
ومن الضروري أن نذكر هنا بعض المعلومات في علم النفس التكويني، أن بياجيه يميز مرحلتين أساسيتين في النمو:
أ.مرحلة ما قبل السنة السابعة.
ب. مرحلة ما بعد السنة السابعة
في المرحلة الأولى يظل الطفل سجين أفكاره الحدسية ًصوره البصرية ً وتتمركز ادراكاته على حالة خاصة من الموضوع تعبر عن وجهة نظره الخاصة مثال لدينا ثلاثة موضوعات أ.ب.ج، يدرك الطفل الفرق بين الموضوعات الثلاثة، يقول أ،ب ،ج ، ولكنه لا يستنتج أ،ج إذ يحتاج إلى مقارنة أ مع ج.
وفي المرحلة الثانية يصل الطفل إلى الفكر الإجرائي ٌالعلمي ٌ ويتم فيه تغيير عقلي يؤدي إلى نشوء فكر انعكاسي، أن الفكر في هذه المرحلة لا يرتبط بالمجالات الجزئية للموضوع، ولكنه يتابع التغيرات، فالطفل يجري العلاقة الاستدلالية التالية، أ، ب، ج، إذن أ،ب بعملية مباشرة دون أن يقارن أ، ج.
وهكذا نلاحظ تطورا واضحا في نمو الفكر من المرحلة الأولى إلى الثانية، وان الحصول على هذه النتائج أو الأجوبة من الأطفال يفترض أن تكون الاختبارات أو المسائل مرتبطة بأدوات ملموسة، لأن الفكر يغلب عليه بصفة عامة.
الطابع الإجرائي المحسوس.
ويرى بياجيه أن نمو الطفل العقلي يتم عن طريق مبدأ التكامل وليس عن طريق إضافة حوادث جديدة، وانطلاقا من هذا المبدأ فان الظواهر العقلية تتطور من مفاهيم أولية ناقصة يكونها الأطفال عن العلم الفيزيائي، لتصل فيما بعد إلى مرحلة التوازن والنضج، ويتخذ التكامل شكل حلزون صاعد حيث تكون فيه نقس المشكلات، ويواجهها الطفل على مستويات العمر المتعاقبة وتجل هذه المشكلات بصفة تامة، وبنجاح متزايد بارتقاء مراحل النمو.
كما ينمو ذكاء الطفل أيضا –حسب بياجيه- عن طريق التعويض، فأفكار الأطفال الصغار تعوض بأفكار ناضجة، كلما تقدموا في السن.
والى جانب اهتمام المناهج الحديثة بشخصية الطفل ومراحل نموها، فلقد توصلت أيضا إلى بعض المبادئ الهامة في التربية.
أ. تمرين الطفل على الاندماج في الحياة الاجتماعية.
ب. تكييف المناهج الدراسية مع شخصية الطفل ومطالب نموه.
ج. مراعاة الفروق الفردية في القدرات والطباع.
د. مراعاة الدوافع والميول والاستنفاد على اللعب وعلى المشروعات التلقائية.
ه. تعليم الطفل عن طريق الملاحظة والتفكير والتجربة والفعالية الذاتية.
خاتمة:
نستخلص مما ذكرناه سابقا أن كل نشاط تربوي لا بد أن ينظمه منهاج معين والمناهج التربوية الحديثة تحاول أن تنظم خبرات الأطفال بناء على خطة متماسكة تنطلق من أهداف محددة وتستعين بمجموعة من الوسائل التي تمكن المدرس من تحقيق أهدافه.
وان ما ينبغي أن وستفيده من نتائج علم النفس التكويني، هو أن فترة الدراسة الابتدائية التي تبدأ عادة في سن السابعة هي مطابقة لمرحلة خاصة من مراحل النمو تدعى بمرحلة العمليات العقلية الإجرائية، وتقوم على إدراك الطفل للمفاهيم والرموز والعلاقات، ولكن بطريقة اجزائية ملموسة...ولا يتمكن الطفل من القيام بالاستدلال والمحاكمات العقلية المجردة إلا بين الحادية عشرة والثانية عشرة من عمره .
 
التعديل الأخير: