• قال تعالى "مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ" سورة المدثر

توضيحا لمفهوم المنهاج ولمفهوم البيئة ودور المعلم في التعامل مع المنهاج

الموضوع:
ينبغي أن يسأل المعلم نفسه، كيف يستطيع تسخير معطيات البيئة لتكون مساعدة له على تطبيق المناهج، والى أي حد ينسجم ما يطرحه المنهاج مع البيئة المحلية.
مقدمة:
توجه التربية اهتماما في الوقت الحاضر إلى تنمية الاتجاهات والمهارات العملية والقدرات لدى الأفراد في اتجاه ايجابي لتحقيق الأهداف التربوية.
وتسمى التربية في الوقت الحاضر إلى تعريف الأفراد بمقومات بيئتهم الطبيعية والاجتماعية والتي يعتمدون عليها في حياتهم ورفاهيتهم. بل وتتخطى إلى أبعد من ذلك الفرد إلى المجتمع الذي تسعى إلى تطويره وإنمائه وتحقيق رخائه، ولقد تعددت الآراء التربوية والنظريات التي تعالج الوسائل والطرائق المختلفة التي ينبغي أن تنشدها المدرسة من أجل تحقيق الأهداف، وما بهمنا هنا بصدد موضوعنا هو مدى استغلال المناهج والبرامج لمعطيات البيئة ومكوناتها، وطريقة تسخيرها من أجل تطبيق المناهج بكيفية وظيفية.
فما هي إذن المناهج ؟ وماهي البيئة؟ وماهي المشكلات البيئية التي ينبغي على المناهج أن تساهم في حلها؟ وفي المقابل ما مدى استفادة المناهج من معطيات البيئة؟
التحليل:
1.الناهج في اللغة معناه الطريق الواضح، في الأصيل اللاتينيCuniculon ، ومعناها المسلك الذي يؤدي إلى الهدف المقصود بأسرع ما يمكن.
والمنهاج هو مخطط بيداغوجي أوسع بكثير من البرنامج التعليمي وأشمل، فإذا كان البرنامج يعني في مفهومه الضيق مجموعة المواد الدراسية في مرحلة معينة من المراحل الدراسية، فان المناهج أخذ يشمل النواحي العاطفية والخبرات الثقافية والاجتماعية التي تكسبها المدرسة للتلاميذ، لا عن طريق المواد التي تقدمها فحسب، بل عن طريق الوسائل والطرائق، وأوجه النشاط المختلفة التي يقوم بها التلاميذ.
و يرى ًلويس دينوً Dodinât في كتابه Des fins aux objectifs أن المنهاج يحتوي بالإضافة إلى برامج للمواد على تحديد للغاياتً Les finsً المقصودة من التربية.وتجسد لأنشطة التعليم والتعلم التي يتضمنها برنامج المضامين ويشمل أخيرا على تعليمات دقيقة حول الطريقة التي بواسطتها سوف نقوم التعليم والتلميذ.
وتعرف المناهج بأنها مجموعة الخبرات العقلية والجسمية والفنية والاجتماعية التي تقدمها المدرسة الى التلاميذ، ومن خلال تفاعلهم مع هذه الخبرات تتحقق أهداف التربية الشاملة، ومن المعلوم أن البيئة تساهم بدور فعال في اكتساب هذه الخبرات كما أنها تنتظر من المناهج التعليمية على الخصوص تربية الفرد للتخفيف من مشكلاتها المتعددة.
وقبل أن نتحدث عن بعض مشكلات البيئة المحلية التي ينبغي أن يعالجها المنهاج نبدأ أولا بتوضيح مفهوم البيئة.
يرتبط مدلول البيئة بنوع ونمط العلاقة بينها وبين مستخدمها، فمثلا يعتبر البيت بيئة، والمدرسة بيئة والحي أو القرية بيئة والوطن، والكرة الأرضية بيئة، ومعنى ذلك أن بيئة الإنسان تكبر وتتسع مع نموه واتساع خبراته، بل أن شخصية الإنسان ومسلكه واتجاهاته وقيمه التي يؤمن بها تحددها أنماط التفاعل مع مكونات بيئته المختلفة.
ومفهوم البيئة هنا يشمل الإطار الذي يعيش فيه الإنسان، ويحصل منه على مقومات حياته من غداء وكساء ودواء ومأوى، ويمارس فيه علاقاته مع أقرانه من بني البشر يؤثر في البيئة ويتأثر بها، تعرف التربية البيئية بأنها عبارة عن برنامج تعليمي يهدف إلى توضيح علاقة الإنسان وتفاعله مع بيئته الطبيعية، وما بها من موارد لتحقيق اكتساب التلاميذ خبرات تعليمية تتضمن الحقائق والمفاهيم والاتجاهات البيئية ومواردها الطبيعية، فهي على هذا الأساس جهد تعليمي موجه نحو التعرف وتكوين المدركات لفهم العلاقات المعقدة بين الإنسان وبيئته بأبعادها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والبيولوجية والطبيعية حتى يكون واعيا بمشكلاتها، وقادرا على اتخاذ القرار نحو صيانتها والإسهام في حل مشكلاتها، وبالتالي حل مشكلاته.
ويشير هذا التعريف إلى ضرورة الإدراك والفهم لطبيعة المشكلات البيئية المحيطة بالإنسان والتي تثير اهتماماته، كما يشير إلى ضرورة تكوين اتجاهات عقلية وقيم للمحافظة على البيئة بما يؤدي إلى اكتسابه للسلوك الايجابي نحو المشكلات التي تنجم عن تفاعله مع بيئته،ولا يتأتى ذلك إلا عن طريق تحديثات في طرائق التدريس، بحيث تجعل التلميذ ايجابيا ونشيطا وقادرا على جمع المعلومات وتحليلها والاستنتاج منها والخروج بتعميمات ومبادئ عامة من خلالها، ومن هنا كانت ضرورة وأهمية ربط المناهج الدراسية بمشكلات ومعطيات البيئة ليصبح ما يتعلمه التلميذ وظيفيا، وتظهر فائدته في تفسير واقع حياته وإمكانية التنبؤ بمستقبله.
ومن هذا المنطق الذي يشير إليه هذا التعريف تعتبر التربية البيئية حركة تجديد وتطوير للعملية التعليمية يكون من شأنها أن يتمكن التلاميذ من الحقائق والمفاهيم المتعددة.
مشكلات البيئة:
فمنذ عشرون سنة أو أكثر بدأت حملة جادة من المفكرين المهتمين بشؤون البيئة وعلومها، تتصدى لمشكلات البيئة، وقامت بدراسات عديدة في محاولة منها لإيجاد حلول لهذه المشكلات التي تشعبت مع تنوع البنيات ومع تنوع نشاط الإنسان الذي يتجه دائما للبيئة لإشباع العديد من رغباته، واحتياجاته ومع ذلك كان لابد من التركيز على المشكلات الأكثر إلحاحا، فانصبت الجهود على مشكلة التلوث التي كانت ولا تزال من المسببات الرئيسية لقلق الإنسان والتي انعكس أثرها في مشكلات اجتماعية واقتصادية، كما اتجهت جهود هؤلاء العلماء لملاحقة مشكلة الغداء، ومشكلة الانفجار السكاني والتي لها آثارها السلبية على جميع جوانب الحياة البشرية، واتجهت جهود أخرى إلى مشكلة الطاقة، وهي من المشكلات البيئية التي لها خطرها وخاصة على المجتمعات المتقدمة والنامية في نفس الوقت.
وانعقد في السبعينات مؤتمر في السويد باستوكهلمٌ أكتوبر 1972ٌ للدعوة إلى العمل نحو إيجاد وعي بيئي لدى كل فرد في المجتمع الدولي يؤدي به إلى المشاركة في حماية البيئة ورعايتها حتى تتضح الرؤية التي يجب أن يكون التعامل مع البيئة من خلالها، فالبيئة للجميع، ورعايتها تهم الجميع، ومشكلاتها تؤثر على الجميع، وقد برز اتجاه يهتم بالتوعية البيئية التي ينبغي أن تنبثق من التربية، وهو ما يعرف بالتربية البيئية، وقد أفرز هذا الاتجاه برامج للتوعية بالبيئة والوعي بكل مكوناتها ومصادرها المختلفة، كما استوعب رجال التربية هذا الهدف من خلال عملية جريئة مؤداها تطعيم المناهج في مراحل التعليم المختلفة بها، وتترك في نفوسهم أثرها وتشكل سلوكهم وعلاقتهم وتصرفاتهم بما يتناسب وإيجاد حلول للمشكلات البيئية والاجتماعية والذاتية، ولهذا تعتبر تنمية وتكوين الاتجاهات من الأمور الهامة والأساسية في التربية.
دراسة البيئة وانعكاساتها في المناهج:
لقد اهتم المربون منذ فترة طويلة بالتأكيد على دراسة البيئة كوسيلة لتحقيق أهداف التربية، وتضمنت المناهج وخاصة في العلوم والمواد الاجتماعية موضوعات عديدة عن البيئة، وقد استخدم هؤلاء المربون البيئة كمعمل ومختبر لإجراء الدراسة، وتعددت صور أنماط المناهج التي بنيت تبعا لهذه الفكرة، وخرج الطلاب من بين جدران المدرسة إلى البيئة الواسعة المحيطة بها، واستخدموها كمصدر ومنطلق للدراسة، وهذا وادعا بناة المناهج ومخططيها إلى الارتكاز على دراسة البيئة المحلية، واستخدامها كوعاء يحتوي على الحقائق والمعلومات التي يسعي المربون إلى إمداد الطلاب بها،وذلك في دراسة ظاهرة معينة من ظاهرة البيئة كدراسة حيوان أو نبات أو وسيلة مواصلات أو مرفق خدمات... حيث يزور التلاميذ مواقع هذه الظاهرة لدراستها وتحميل ما يتعلق بها من حقائق ومعلومات بدلا من دراستها بطريقة جافة تلقينية وتجريدية داخل الفصول.
وإذا أردنا تحقيق أهداف التربية من خلال المناهج فإننا مطالبون بأن تتحول الدراسة ً دراسة البيئة ً من خلال المناهج لمختلف المواد لمساعدة التلاميذ على اكتساب الاتجاهات الايجابية نحو البيئة، وليصبح دور هذه المناهج فعالا، ولتكون التربية كما قال ج.ديوي: ً التربية هي الحياة ً بل أنها كذلك من أجل الحياة وبالحياة.
فالتربية البيئية في الأخير تتم من خلال دراسة البيئة هي التي يمكن أن تحقق تنميته لدراسة البيئة على أن تتضح هذه الأهداف في ذهن التلميذ وتتوافر لديه الوسائل والأدوات التي تساعده على تحقيق تلك الأهداف.
لقد حدد ومؤتمر تلبيس عام 1977 نقلا عن تقرير نهائي لليونسكو عن هذا المؤتمر حدد أهداف التربية البيئية فيما يلي:
الوعي بالبيئة:
- اكتساب خبرات متنوعة تتصل بالبيئة ومشكلاتها.
- مساعدة التلاميذ على تطوير اهتمامهم بالبيئة، وحفزهم على الإسهام الفعال في تحسينها وحمايتها.
- اكتساب المهارات للتعرف على المشكلات البيئية والإسهام الفعال على مختلف المستويات في العمل على حل مشكلات البيئة.
دور المعلم:
ينبغي أن تتنوع طرائق وأساليب التدريس لتنفيذ المناهج،وأن تتميز بأساليب لا تعطي أهمية كبيرة للحقائق، وأن تضع التلاميذ في مواقف ومشكلات تتحداهم بحيث تكون هذه المشكلات في مستوى التلاميذ، كما ينبغي أن تحقق ايجابيتهم نحو التعلم على بصيرة بأمور بيئتهم للوصول إلى قرار وموقف.
وهذه الطرائق ينبغي أن يتطور في ضوئها دور المعلم والتلميذ معا، فيصبح دور المعلم هو الموجه والمرشد وليس الملقن، وأن يثير اهتمامات طلابه نحو بيئتهم، وعليه أن يناقش خطط ومشكلات الموضوع البيئي الذي سيتصدى لتدريسه لهم، وينظم عمله في مجموعات عمل بحسب ميولهم وقدراتهم واستعداداتهم، وعليه أن ينظم الزيارات الميدانية والدراسات العقلية، ويعد المطبوعات وأدوات الدراسة من خرائط وجداول وأجهزة بسيطة، ويشجع مجموعات التلاميذ على بذل الجهد، والبحث وأن يحاول ربط العمل بالبيئة المحلية وبالبيئات الأخرى الأكثر اتساعا.
ويقتضي دور المعلم كذلك تكييف المناهج لمعطيات البيئة، ويبسطها ويختصر بعض المعلومات والمفردات وتطبيق المناسب منها حتى لا تعزل المدرسة عن البيئة ولا يقتصر دوره على العناية بالنواحي العقلية فقط وإهمال النواحي الجسمية والفنية والاجتماعية.
كما أن وجود كتاب مدرسي معين لا يعني وفقا للاتجاهات التربوية الحديثة، التزام المعلم الحرفي بمحتواه، فهو مطالب بالعكس بتدريس ما يراه مناسبا للموقف التعليمي ومستوى التلاميذ وميولهم وحاجاتهم في حدود الإطار الهام للمقرر.
ويمكن للمعلم أن يتجاوز بعض الصعوبات التي تتحدى الكتاب المدرسي عن طريق توثيق الصلة بالبيئة المحلية أو الإقليمية، وكذلك عن طريق القيام ببعض الزيارات والراحلات من أجل الوقوف سير المصالح الإدارية وزيارة المآثر التاريخية والمرافق الاجتماعية التي تكون محورا من محاور المنهاج.
وخلال هذه الزيارات تتاح الفرصة لتلاميذ القرية أن يتعرفوا على المرافق الاجتماعية والاقتصادية والسياحية في المدينة، وعلى العكس يمكن لتلاميذ المدينة أو الحاضرة أن ينتهزوا فرصة المرحلة، ليتمكنوا من التعرف على البادية وأسواقها وتقاليدها ومواسم الفلاحة فيها.. ومن خلال هذه الأنشطة التي تتم خارج المدرسة ينمي التلاميذ خبراتهم العلمية والثقافية، ويجددون نشاطهم الفكري ويتغلبون على رتابة الدراسة في القسم.
كما أن هذه الزيارات المختلفة تجعل المعلم يتعرف على الأنشطة التي تناسب التلميذ، فيعرف كيف يقدم مادة حية ذات معنى.
هذا فضلا عن كونها تساعده على تطوير البرامج وطرائق التدريس، وان استخدم مصادر البيئة من طرف المعلم يعد من انشغالات المدرسة الحديثة التي تلح على ضرورة استغلال المعلم لإمكانيات البيئة قصد إثراء خبرات تلاميذها.
إن المدرسة تستغل الآثار التاريخية في البيئة لتبعث في الماضي الحياة وتجعله ذا معنى في ذاكرة التلاميذ، وتستغل المتنزهات لتجعل الأطفال يتذوقون جمال الطبيعة، وينمي المعلم لدى الطفل الجمال وحب الطبيعة وتقديرها.
ويمكن للمعلم أن يوجه عنايته أيضا لجوانب البيئة الصناعية والاقتصادية وذلك عن طريق تنظيم زيارات للمؤسسات الصناعية أو على الأقل عرض صور واضحة تتلاءم مع مواضيع المنهاج فيتعرف التلاميذ على المعامل ودورها الاقتصادي ويتكون عندهم التقدير للعمل واحترام العاملين وبالتالي حب التنمية الصناعية في بلدهم.
خاتمة:
لقد بينا فيما سبق توضيحا لمفهوم المنهاج ولمفهوم البيئة ودور المعلم في التعامل مع المنهاج وإخضاعه لشروط البيئة المحلية وتسخير معطياتها لتكون في خدمة التلميذ، وبالتالي تقريب المدرسة من الواقع المعشي.
وأخيرا فان العلم القادر على تسخير معطيات البيئة المحلية لتطبيق المنهاج يشترط فيه أن يكون مؤهلا ليتمكن من تسخير تلك الإمكانيات في الاتجاه الصحيح، دون أن يخل بالأسس الأساسية في المنهاج أو يحذف منه نصوصه أو بعض موضوعاته الهامة.
ولا نريد أن نختم هذا الموضوع دون أن نشير إلى أهمية أنشطة التعاونية المدرسية ودورها في تقويم المناهج الجامدة، وكذا في استغلال البيئة المحلية، مما يولد كثيرا من الحيوية في النشاط التعليمي والتربوي داخل المدرسة، ولهذا ينبغي تنوير أذهان المعلمين بأهمية النشاط التعاوني واستغلاله أحسن استغلال ومحاولة إدماجه في العملية التعليمية داخل القسم في جميع الوحدات والدروس.