• قال تعالى "مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ" سورة المدثر

نظرية التعلم البنائية

تعتبر نظرية التعلم البنائية (أو التكوينية) من أهم النظريات التي أحدثت ثورة عميقة في الأدبيات التربوية الحديثة خصوصا مع جان بياجي، الذي حاول انطلاقا من دراساته المتميزة في علم النفس الطفل النمائي أن يمدنا بعدة مبادئ و مفاهيم معرفية علمية و حديثة طورت الممارسة التربوية.
ترى البنائية بأن التعلم الحقيقي لا يتم بناء على ما سمعه المتعلم حتى و لو حفظه و كرره .. بل إن الشخص يبني معلوماته داخليا متأثرا بالبيئة المحيطة به و المجتمع ، و أن لكل متعلم طريقة و خصوصية في فهم المعلومة و ليس بالضرورة أن تكون كما يريد الآخرون … و تعبر البنائية في أبسط صورها و أوضح مدلولاتها عن أن " المعرفة تُبنى بصورة نشطة على يد المتعلم ولا يستقبلها بصورة سلبية من البيئة".
من أبرز منظري البنائية نذكر: جان بياجيه ، جون ديوي ، فايجو تسكي ، ارنست فون جلاسر فيلد ...

1ـ المفاهيم المركزية لنظرية التعلم البنائية:
+ مفهوم التكيف: هنا يعتبر غاية التطور النمائي، و هو أيضا عملية الموازنة بين المحيط و الجهاز العضوي الذي يهدف للقضاء على حالات الاضطراب و اللاانتظام، بمعني الانسجام و التأقلم بين أفراد الجماعات.
+ مفهوم الاستيعاب و التلاؤم: هو مفهوم أخده بياجي من البيولوجيا، فالاستيعاب هو أن تتم عملية دمج المعارف و المهارات ضمن النسيج المعرفي حتى تصبح عادة مألوفة. و التلاؤم هو عملية التغير و التبني الهادفة للحصول على التطابق بين المواقف الذاتية و مواقف الوسط و البيئة.
+ مفهوم الموازنة و الضبط الذاتي: الضبط الذاتي هو نشاط الذات باتجاه تجاوز الاضطراب و التوازن هو غاية اتساقه.
+ مفهوم السيرورات الاجرائية: إن كل درجات التطور و التجريد في المعرفة و كل أشكال التكيف، تنمو في تلازم جدلي، و تتأسس كلها على قاعدة العمليات الإجرائية أي الأنشطة العملية الملموسة.
+ مفهوم التمثل و الوظيفة الرمزية: التمثل،عند بياجي، ما هو سوى الخريطة المعرفية التي يبنيها الفكر عن عالم الناس و الأشياء و ذلك بواسطة الوظيفة الترميزية، كاللغة و التقليد المميز و اللعب الرمزي ... و الرمز يتحدد برابط التشابه بين الدال و المدلول؛ و التمثل هو إعادة بناء الموضوع في الفكر بعد أن يكون غائبا.
+ مفهوم خطاطات الفعل: الخطاطة هي نموذج سلوكي منظم يمكن استعماله استعمالا قصديا، و تتناسق الخطاطة مع خطاطات أخرى لتشكل أجزاء للفعل، ثم أنساقا جزيئة لسلوك معقد يسمى خطاطة كلية. و إن خطاطات الفعل تشكل، كتعلم أولي، ذكاء عمليا هاما، و هو منطلق الفعل العملي الذي يحكم الطور الحسي - الحركي من النمو الذهني.

2ـ مبادئ التعلم في النظرية البنائية:
التعلم من منظور البنائية هو "عملية بناء إبداعية مستمرة يعيد خلالها الفرد تنظيم ما يمر به من خبرات بحيث يسعى لفهم أوسع و أشمل من ذلك الفهم الذي توحي به الخبرات السابقة".
1- المتعلم لا يستقبل المعرفة و يتلقاها بشكل سلبي لكنه يبنيها من خلال نشاطه و مشاركته الفعالة في عمليتي التعليم و التعلم.
2- يحضر المتعلم فهمه المسبق إلى مواقف التعلم و يؤثر هذا الفهم في تعلمه للمعرفة الجديدة.
3- إن معرفة الفرد دالة لخبرته.
4- يبني المتعلم معنى ما يتعلمه بنفسه بناء ذاتياً، حيث يتشكل المعنى داخل بنيته المعرفية بناء على رؤية خاصة به، فالأفكار ليست ذات معان ثابتة لدى الأفراد.
5-المعرفة ليست موجودة بشكل مستقل عن المتعلم، فهي من ابتكاره هو و تكمن في عقله ،و من ثم فهي تصبح أساس نظرته إلى العالم من حوله و على أساسها يفسر ظواهر هذا العالم و أحداثه.
6- المعرفة "عملية" و ليست "نتيجة".
7- التعلم لا ينفصل عن التطور النمائي للعلاقة بين الذات والموضوع .
8- الخطأ شرط التعلم : إذ أن الخطأ هو فرصة و موقف من خلال تجاوزه يتم بناء المعرفة التي نعتبرها صحيحة.
9- الفهم شرط ضروري للتعلم.
10- التعلم يقترن بالتجربة و ليس بالتلقين .
11- التعلم تجاوز و نفي للاضطراب.

3ـ التطبيقات التربوية للبنائية:
حسب بياجي:
- التعلم هو شكل من أشكال التكيف من حيث هو توازن بين استيعاب الوقائع ضمن نشاط الذات و تلاؤم خطاطات الاستيعاب مع الوقائع و المعطيات التجريبية باستمرار.
- التعلم هو سيرورة استيعاب الوقائع ذهنيا و التلاؤم معها في نفس الوقت.
- مادام الذكاء العملي الإجرائي يسبق عند الطفل الذكاء الصوري النظري، فإنه لا يمكن بيداغوجيا بناء المفاهيم و العلاقات و التصورات و المعلومات و منطق القضايا إلا بعد تقعيد هذه البناءات على أسس الذكاء الإجرائي.
وعليه، و حسب بياجي، يجب تبني الضوابط التالية في عملنا التربوي و التعليمي:
* دفع المتعلم إلى تكوين المفاهيم ضبط العلاقات بين الظواهر بدل استقبالها عن طريق التلقين ؛
* جعل المتعلم يكتسب السيرورات الإجرائية للمواضيع قبل بنائها رمزيا؛
* جعل المتعلم يضبط بالمحسوس الأجسام و العلاقات الرياضية، ثم الانتقال به إلى تجريدها عن طريق الاستدلال الاستنباطي؛
* يجب تنمية السيرورات الاستدلالية الفرضية الاستنباطية الرياضية بشكل يوازي تطور المراحل النمائية لسنوات التمدرس؛
* إكساب المتعلم مناهج و طرائق التعامل مع المشكلات و اتجاه المعرفة الاستكشافية عوض الاستظهار؛
* تدريب المتعلم على التعامل مع الخطأ كخطوة في اتجاه المعرفة الصحيحة؛
* إكساب المتعلم الاقتناع بأهمية التكوين الذاتي.
فالمطلوب إذا من المدرس حسب النظرية البنائية أن يركز على تهيئة بيئة التعلم و مساعدة المتعلم في الوصول لمصادر التعلم...