• قال تعالى "مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ" سورة المدثر

دور الكتاب في التعلم

الموضوع:
يرى بعض المربين أن الكتاب ينبغي إبعاده عن عملية التعليم بحجة أن الكتاب لا تعلمنا الا الكلام فيما لا نعلم/ في حين يرى البعض الآخر ٌ أن الكتاب هو الوسيلة الأولى والأساسية للحصول على المعرفة.
اشرح هاتين الفكرتين، وناقشهما ثم بين موقفك منهما.
مقدمة:
لا ينكر أحد ما للكتب من قيمة عظمى في تزويد القارئ بمختلف أشكال المعرفة وألوانها، بل لما لعبته منذ اختراع الكتابة حتى الآن من دور أساسي في خزن وحفظ كل التراث البشري المعرفي الذي تراكم كثيرا عبر العصور غير أنه إذا كانت للكتب هذه القيمة بالنسبة للمحافظة على تراث الإنسانية، فان هناك من يعترض على هذه القيمة في المجال التعليمي أي تبليغ المعرفة، إذ يعتبرها عديمة المعرفة، وعائقا في سبيل الحصول على معرفة صحيحة، خصوصا في المراحل الأولى من التعليم.
فالموضوع الذي نحن بصدده يتعرض لموقفين من الكتاب المدرسي فهناك من يعتمد عليه، ويجعله مفتاحا لاكتساب المعرفة، ونقطة الانطلاق في العملية التعليمية، وهناك من ينبذه ويعتبره عديم الفائدة وعائقا في سبيل الحصول على المعرفة، خصوصا في المراحل الأولى من التعليم لأنه لا يعلم إلا الألفاظ.
وسنحاول تحليل هذا الموضوع من خلال مناقشة النقاط التالية:
1. ما هو موقف الرافضين للكتاب المدرسي؟
2. ما هو موقف المؤيدين له؟
3. ما هو الاتجاه الذي ينبغي أن نتخذه إزاء الرأيين؟
التحليل:
ٌ إن الكتب تعلم الأطفال أن يأخذوا كثيرا من غيرهم على سبيل الثقة ولا تعلمهم أن يعرفوا شيئا بأنفسهم ٌ والطفل إذا اتجه إلى هذه الناحية، فقد ذاتيته وضاع مجهود أنفق في تكوينه وتربيته.
أما الدراسات التي يوصي بها ًروسوً تلميذه فهي تقتصر على العلوم الطبيعية وعلى رأسها الفلك ثم الجغرافيا التي لا تدرس عن طريق الخارطات، بل عن طريق الأسفار ومعرفة الأشياء لذاتها.
أن دراسة الجغرافيا ترتكز على نقطتين أساسيتين: المدينة التي يقطن فيها الطفل، وبيت جده في القرية ثم المسافة بينهما بالإضافة إلى الغدران والأنهار، ومظهر الشمس وكيفية شروقها.
وعندما يريد تعليم تلميذه الفيزياء ينطلق من الطبيعية، ويعطينا مثالا على ذلك، بأخذه حجرا في يده، ثم يتركه يسقط ويسأل تلميذه إميلً وعند عدم إجابته يتدخل هو ليوضح له ذلك أي أن سقوطها راجع لوزنها، ولما كانت الطبيعة هي المصدر الأساسي للمعرفة، فان ًروسوً يرى أن الوسيلة الأساسية الرئيسية لاكتسابها هي الحواس، فالحواس هي أبواب المعرفة والعقل والأفكار.ً إذن فلنحول إحساساتنا إلى أفكار، ولكن ينبغي ألا نقفز قفزة واحدة من الأشياء المحسوسة إلى الأشياء الذهنية المعقولة، بل يجب أن يكون وصولنا إلى تلك الأشياء المعقولة عن طريق الأشياء المحسوسة، إذن فروسو يقلل من قيمة الكتب كمصدر للمعرفة، ويعلي من قيمة الخبرة أو التجربة الشخصية ومن مبادرة الطفل الذاتية، ففي المرحلة الأولى من حياته يجب أن تكون تربيته تربية سلبية، يرى الأشياء بنفسه ويتفاعل معها، مستعملا تفكيره في سبيل الحصول على المعرفة الحقيقية، أما المعرفة التي يحصل عليها من الكتب فإنها لا تعلمه الكلام فيما لا يعلم.
2. ويقف في الطرف الثاني مربون عديدون، أعطوا للكتاب حق الصدارة في اكتساب المعرفة الموسوعية، ونذكر منهم رابليRâblai ومونتاني Montaigne وايراس Errasse ثم ألان Alain في القرن العشرين، وسنقف عند ألان الذي جاءت آراؤه في معظمها كتيار معاكس لمبادئ ما اصطلح على تسميته بالتربية الحديثة، لذا فهي تبدو غريبة، وان كتبها بأسلوب فلسفي عميق، هو نتيجة تأثيره بمؤلفات أفلاطون وديكارت وهيجل وكانيط، وهو يبني هذه الآراء على فكرة أساسية، مفادها أن الطفولة حالة متطورة تتوق للرجولة الكاملة، ومهمة التربية ألا تقفل الولد في بوقفة طفولته، بل على العكس من ذلك أن تساعده على التخلص منها ليدفع مساعدا في اكتساب صفات الرجولة الحقة، وهذا يخالف ما جاء به روسو في احترام الطفولة والاهتمام بحاضر الطفل فقط، وبذلك فان موقف كل منهما من الكتاب جاء منسجما مع نظرة كل منهما إلى الطفل والى الغرض من التربية.
إن روسو الذي يعطي أهمية قصوى إلى حاضر الطفل والاهتمام بطفولته، يرى من الضروري إبعاد كل شيء يتدخل في نموه الطبيعي السليم، ومنها الكتاب لا يزوده إلا بمعارف لا يعرفها لأنه لم يستعمل فيها نزوعا نحو الرجولة، ويرى أن من أسباب الوصول غالى هذا الهدف هوا لاعتماد على الكتاب، والإكثار من القراءة وحمل الطفل على إتقانها والتزود منها بقدر كبير من المعلومات.
ولم ينظر ألان نظرة رضي للآراء التي تدعو إلى تعليم الأطفال.
بالمشوقات والألعاب التي فيها وسائل للهو لا للتربية وانطلاقا من ذلك اعتبر القراءة مفتاحا للثقافة ونقطة الانطلاق في التعليم، وجعل بكثير من المبالغة المواد الأخرى حتى العملية منها، وسائل لها، فهو يرى بأن الكتابة والحساب يمكن أن تكتسب بسرعة، لكن أن نقرأ هذا هو الصعب، يعني بذلك القراءة المريحة دون جهد، بطريقة تنصرف معها النفس عن الحروف للاهتمام بالمعنى، وفي هذا الصدد يقول: ًلو كنت زعيما للمتكلمين الظرفاء لجعلت كل الدروس دروس قراءة، يقرأ التاريخ والجغرافيا والعلوم والأخلاق، وإذا لم يحفظ من جميع هذه القراءات إلا فن القراءة فقط، لحكمت أن ه\ا كاف، ولطردت من مدارسنا كل أنواع الفصاحةً
وهو بذلك يجعل القراءة غاية جميع الدروس ٌلو كنت مديرا للتعليم لجعلت من واجبي الأول تعليم القراءة لجميع المواطنين ٌ وبهذا فقد أعطى ًألانً القراءة حق الصدارة واعتبرها الوسيلة التي تمكن من فهم إنتاج الفكر الإنساني، فهي في نظره توصل الطفل إلى بلوغ الرجولة المتكاملة، وذلك بالجد والتمرس والتمرس والتمارين المتكررة والصبر الطويل....
ولو تتبعنا آراء ٌألانٌ لتخيلنا أن برنامج التعليم في المدرسة هو حصة لانهائية من درس القراءة، ٌ...نقرأ ونعيد القراءة كل بدوره وبصوت جهري، والباقون يتتبعون بصوت خافت، والمعلم يراقب، وعليه أن يعمل الكثير في هذا المجال ٌ بل هو لا يرى أي فائدة من تعاطي العلوم، إن لم تؤد إلى ترسيخ عادة القراءة في المتعلم:ً أما فيما يعود لدروس الفيزياء والكيمياء والتاريخ والأخلاق فأنني أعتبرها مضحكة إذا لم تمكننا في الدرجة الأولى من قراءة الفيزياء والكيمياء والتاريخ والأخلاق ً.
3. هكذا نرى ًروسو وألان ً يقفان على طرفي نقيض، فحين يرفض الأول الكتب والمعلومات المحصلة عن طريقها، يرى الثاني أن القراءة هي وسيلة التعليم وغايته الأسمى.
وإذا أردنا أن نتخذ موقفا من لاتجاهين السابقين، آخذين بعين الاعتبار مبادئ التربية الحديثة، والدور الذي تلعبه القراءة والمطالعة في العصر الحديث، نجد أننا لا ينبغي أن ننساق مع كلا الموقفين المتطرفين السابقين، بل ينبغي أن نتخذ مكانا وسطا بينهما، فلا يمكن الاستغناء عن الكتاب، وذلك نظرا لأهميته في حياتنا، ولا يمكن الاعتماد عليه كلية واعتباره هدفا بل هو وسيلة فقط ضمن الوسائل الأخرى المعتمدة في العملية التعليمية، وتجدر الإشارة إلى أنه من الخطأ أن ننظر إلى الكتاب على أن الغرض منه هو أن نقدم إلى الأطفال في شكل مكثف مواد المنهاج التي يجب أن يحفظوها، فليس الكتاب مجرد مستودع للمعلومات فقط بل هو أيضا أداة يقدم بعض الأفكار والمعاني الهامة التي يستفيد منها الأطفال في أسلوب تفكيرهم وأن يدربهم على التفكير الواعي السديد ويوحي إليهم بتطبيق ما تعلموه تطبيقا مفيدا رشيدا.
الخاتمة:
وأخيرا فإننا نستطيع أن نغلب رأي آخر بل المطلوب هو أن نأخذ من آراء كل مفكر ما هو قريب من الصواب، وما يخدم الجوانب المتعددة من شخصية الطفل، إذ لا غنى لنا عن التربية الجسمية والتعلم عن طريق التجربة، كما أننا لن نستغني عن الكتاب الذي هو وسيلة مهمة إلى حد الآن لنقل التراث الإنساني.
وان الداء لا يرجع في الواقع إلى الكتاب، بحكم كونه كتابا، وليس كل تعليم يستند إلى الكتب سيئا حتما، فالداء الحقيقي يرتد إلى الطريقة السيئة في تأليف الكتب والى عملية استخدام الكتب والى فصل هذه الوسيلة عن سائر الوسائل التي تساعد عن تكوين الطفل، ولكي تتحقق المرودية الايجابية المتوخاة من القراءة ينبغي العناية بانتقاء الكتب المفيدة وجعل محتواها ملائما للغايات المرجوة من التعليم، وجعل مظهرها وأسلوب عرضها مسايرين لميول الأطفال ورغباتهم وبنيتها موافقة لقدراتهم النفسية.